وقد علم من خُلق النّبيء صلى الله عليه وسلم أنّه يحبّ الرفق في الأمور ويقول: إنّ الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كلّه (كما جاء في حديث عائشة حين سلَّم اليهود عليه فقالوا: السامُ عليكم ، وقالت عائشة لهم: السامُ عليكم واللّعنة) ، فلمّا أمره الله أن يقول لأهل الكتاب {وأنّ أكثركَم فاسقون قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله مَن لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 59 ، 60] الآية ، وكان ذلك القول مجاهرة لها م بسوءٍ أعلمه الله بأنّ هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالّتي هي أحسن ، فتكون هذه الآية مخصّصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الّذي في قوله تعالى: {لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظُلم} [النساء: 148] .
ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعِر بمنتهى شرفه ، إذ كان واسطة بين الله وخلقه ، والمذكِّر له بالإعراض عمّن سوى من أرسله.
ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثّاني موقع زائد على موقعه في الخطَاب الأول ، وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده ، وهو قوله: {وإن لم تفعل فما بلّغت رسالاته} ، كما قال تعالى: {ما على الرسول إلاّ البلاغ} [المائدة: 99] .
فكما ثبّت جَنَانُه بالخطاب الأوّل أن لا يهتمّ بمكائد أعدائه ، حُذّر بالخطاب الثّاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن ، أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم ، إذ لعلّه يزيدهم عناداً وكفراً ، كما دلّ عليه قوله في آخر هذه الآية {وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين} [المائدة: 68] .
ثم عُقّب ذلك أيضاً بتثبيت جنانه بأن لا يهتمّ بكيدهم بقوله: {والله يعصمك من النّاس} وأنّ كيدهم مصروف عنه بقوله: {إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين} .