فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْقِصَاصَ إِذْ كَانَ يُكَفِّرُ ذَنْبَ صَاحِبِهِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ الَّذِي أَتَاهُ فِي قَتْلِ مَنْ قَتَلَهُ ظُلْمًا , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ: «أَنْ لَا تَقْتُلُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا» ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ , فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ عَفْوُ الْعَافِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَنْهُ , نَظِيرُهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ كَفَّارَةٌ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ عَنْ قَاذِفِهِ بِالزِّنَا وَتَرْكُهُ أَخْذَهُ بِالْوَاجِبِ لَهُ مِنَ الْحَدِّ , وَقَدْ قَذَفَهُ قَاذِفُهُ وَهُوَ عَفِيفٌ مُسْلِمٌ مِحْصَنٌ , كَفَّارَةً لِلْقَاذِفِ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ وَمَعْصِيَتِهِ الَّتِي أَتَاهَا , وَذَلِكَ مَا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُهُ. فَإِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمَقْذُوفِ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ أَخْذَ قَاذِفِهِ بِالْوَاجِبِ لَهُ مِنَ الْحَدِّ كَفَّارَةً لِلْقَاذِفِ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ , كَانَ كَذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمَجْرُوحِ أَخْذَ الْجَارِحِ بِحَقِّهِ مِنَ الْقِصَاصِ كَفَّارَةً لِلْجَارِحِ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَلَيْسَ لِلْمَجْرُوحِ عِنْدَكَ أَخْذُ جَارِحِهِ بِدِيَةِ جُرْحِهِ مَكَانَ الْقِصَاصِ؟
قِيلَ لَهُ: بَلَى. فَإِنْ قَالَ: أَفَرَأَيْتَ لَوِ اخْتَارَ الدِّيَةَ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا , أَكَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ فِي الْآخِرَةِ تَبَعَةً؟
قِيلَ لَهُ: هَذَا كَلَامٌ عِنْدَنَا مُحَالٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَنَا مُخْتَارَ الدِّيَةِ إِلَّا وَهُوَ لَهَا آخِذٌ. فَأَمَّا الْعَفْوُ فَإِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ عَنِ الدَّمِ.