وقال المبرِّدُ: وسُمِّيَ الحِبرُ الذي يُكْتَبُ به حِبْراً ؛ لأنه يُحَبَّرُ به ، أيْ: يُحقَّقُ بِهِ.
وقال أبُو عُبَيْد: والذي عندي في واحدِ الأحبارِ أنَّه للحَبر بالفتح ، ومعْنَاه العالمُ بِتَحبِير الكلامِ ، والعلم تحسينه ، والحِبرُ بالكسر: الذي يُكْتَبُ به.
قوله تعالى: {بِمَا استحفظوا} أجازَ أبُو البقاءِ فيه ثلاثةُ أوْجهٍ:
أحدها: أنَّ"بِمَا"بدلٌ من قوله:"بِهَا"بإعادة العامل لِطُول الفَصْل ، قال:"وهو جائزٌ وإنْ لَمْ يَطُل"أيْ: يجوزُ إعادةُ العامِلِ في البَدَلِ ، وإن لم يَطُل.
قلتُ: وإنْ لم يُفْصَلْ أيضاً.
الثاني: أنْ يكُونَ مُتعلّقاً بفعْلٍ محذوفٍ: أيْ: وَيَحْكُم الربانيونَ بما اسْتُحفِظُوا ، كما قدمتُه عنه.
والثالث: أنَّه مفعولٌ به ، أيْ: يحكُمُونَ بالتوراة بسببِ اسْتِحْفَاظِهِمْ ذلك ، وهذا الوجهُ الأخيرُ هو الذي نَحَا إليه الزمخشريُّ ؛ فإنه قال:"بِمَا اسْتُحْفِظُوا بِمَا سألَهُمْ أنبياؤهم حِفْظَهُ من التوراةِ ، أيْ: بسبب سُؤالِ أنبيائِهِمْ إيَّاهم أن يحفظُوه من التَّبْدِيلِ والتَّغْييرِ"، وهذا على أنَّ الضميرَ يعُودُ على الربانِيين ، والأحبارِ ، دُونَ النَّبِيِّين ، فإنَّهُ قدَّرَ الفاعِلَ المحذُوفَ"النبيين"، وأجاز أن يعودَ الضميرُ في"استحفِظُوا"على النبيينَ والربانيينَ والأحْبار ، وقدَّر الفاعل المنوبَ عنه: البَارِيَ تعالى ، أيْ: بِمَا اسْتَحْفَظَهُم اللَّه تعالى ، يعني: بما كَلَّفَهُمْ حِفْظَهُ.
وقوله تعالى: {مِن كِتَابِ الله} ؛ قال الزمخشريُّ: و"مِنْ"فِي {مِن كِتَابِ الله} للتَّبْيينِ ، يَعْنِي أنَّها لِبَيانِ جِنْس المُبْهَمِ في"بِمَا"فإنَّ"مَا"يجوزُ أنْ تكونَ موصُولَةً اسمِيَّةً بمعْنَى"الَّذِي"، والعائِدُ محذوفٌ ، أيْ: بِمَا اسْتحْفظُوه ، وأنْ تكونَ مَصدريَّةً ، أيْ: باسْتِحْفَاظِهِمْ.