أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة ؛ لذلك لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر ، وصار من المنطقي أن يكون هو الرسول الخاتم .
{إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ} لماذا إذن يأتي الحق بإسلام الأنبياء هنا؟ جاء سبحانه بأمر إسلام الأنبياء تشريفا للإسلام لأنه جوهر منهج كل نبي .
إننا نجد الشعراء يتفننون في هذا المعنى:
ما إن مدحت محمداً بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمدٍ
والشاعر الآخر يقول:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان
فالقبيلة بالنسبة لأبي الصقر هي التي تنتسب إليه وليس هو الذي ينتسب إليها .
ويردف قائلا:
وكم أبٍ قد علا بابن ذُرَا شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان
إذن فالنبيون عندما يصفهم الحق بأنهم أسلموا ، إنما يريد الحق أن يشرف الإسلام بأن النبيين أسلموا قيادهم وزمامهم إلى الله لأنهم وجدوه الخير لهم .
وإسلام النبيين هو الإسلام بمعناه الكامل ، أي هو الانصياع لأوامر الله ، فكلما فكر نبي منهم في أن هناك شراً سيأتي له بسبب دعوته ، أو أن يضطهده أحد ، أو يحلو لأحدٍ أن يسيء إليه فهو يسلم أمره لله ؛ لأن الرسول منهم إنما يقول كلمة الحق ولا يبالي بما يحدث بعدها .
{يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} وهم يحكمون بالتوراة بين الذين هادوا ، أي من يهود ، وكذلك يحكم بها الربانيون والأحبار . والرباني منسوب للرب ، أي أن كل تصرفاته منسوبة إلى الله . والأحبار هم العلماء حملة أوعية العلم ، لكن هل ينفذونه أو لا ينفذونه فهذا شيء آخر . صحيح أن كل عالم وعاءُ علم ، لكن قد ينتفع هو بعلمه ، وقد لا ينتفع ، لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به . ولذلك يقول أحد العلماء:
فخذ بعلمي ولاتركن إلى عملي ... وأجْنِ الثمار وخلِّ العود للنار