والسياق القرآني في هذا الدرس يقرر أولاً: توافي الديانات التي جاءت من عند الله كلها على تحتيم الحكم بما أنزله الله؛ وإقامة الحياة كلها على شريعة الله؛ وجعل هذا الأمر مفرق الطريق بين الإيمان والكفر؛ وبين الإسلام والجاهلية؛ وبين الشرع والهوى .. فالتوراة أنزلها الله فيها هدى ونور: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} .. {وعندهم التوارة فيها حكم الله} .. {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس .. الخ} .. والإنجيل آتاه الله عيسى بن مريم {مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} .. والقرآن أنزله الله على رسوله {بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} وقال له: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} .. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} .. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} .. {أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟} .. وكذلك تتوافى الديانات كلها على هذا الأمر، ويتعين حد الإيمان وشرط الإسلام، سواء للمحكومين أو للحكام .. والمناط هو الحكم بما أنزل الله من الحكام، وقبول هذا الحكم من المحكومين، وعدم ابتغاء غيره من الشرائع والأحكام ..
والمسألة في هذا الوضع خطيرة؛ والتشدد فيها على هذا النحو يستند إلى أسباب لا بد خطيرة كذلك. فما هي يا ترى هذه الأسباب؟ إننا نحاول أن نتلمسها سواء في هذه النصوص أو في السياق القرآني كله، فنجدها واضحة بارزة ..
إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار .. ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام ..