ولم يقل عنهم:"سامعون"، بل قال:"سماعون"أي جعلوا صناعتهم أن يتسمعوا ، وهم الجواسيس ، وإلا فإذا كان الأمر غير ذلك لكان كل من سمع كذبا يُعَد من هؤلاء . والقول مقصود به من جعل السماع صنعة له ، ولا يجعل إنسان السماع صنعة له إلا إذا كان عينا لغيره ، والعين للغير يتلصص على أمانة المجالس ، ولكل مجلس أمانة . فإذا ما حضر إنسان مجلسا فليس له أن ينقل ما في ذلك المجلس إلى غيره إلا أن يكون ذلك هو صناعته ، وتلك هي مهمته .
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} وهنا قضيتان . فعل السماع للكذب سببه أكل السُّحت ، أم أكل السُّحت سببه السماع للكذب؟
إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان من طينة الأرض وصوره على شكل آدم نفخ فيه من روحه ، وحين صوره من طينة الأرض جعل كل مقومات حركة حياته من طبيعة طينة الأرض ، فإذا ما أخذ الإنسان شيئاً من حِلٍّ ، اعتدلت الذرات في نفسه على الهيئة التي خلقها الله . وإن تدخل فيها بحرام جعل في الذرات اختلالا تكوينيا . وهذا الاختلال التكويني هو الذي جعل آكل الحرام سماعا للكذب . ولو لم يكن فيه ذلك الاختلال التكويني الذي صنعه بنفسه لما سمع الكذب أبداً .
أو أنه عندما أكل السُّحْت صار سماعا للكذب . أو سمع كذبا فصار أكَّالاً للسُّحْت . ولنلاحظ أن الحق لم يقل:"آكل للسُّحْت"، ولم يقل:"سامع للكذب"؛ ولكنه قال: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي أنهم تعودوا سماع الكذب وتعودوا أكل السُّحت ، فالواحد منهم أخذ حراما من أول الأمر ، وعندما صار أكالا وسمَّاعًا للكذب في آن واحد ، اختلت ذرَّات تكوينه ، ولم يعد في أعماقه نور ليرفض الكذب .
بل أقبل عليه ، ويغريه الكذب ثانية بأن يأكل السُّحْت ، والأمر دائر بين سماع كذب وأكل سحت .