وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت أن الله - تعالى - قد أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم بها، وحذرهم من النقض والخيانة والكفر، ورغبهم في الطاعة والإيمان فماذا كان موقفهم من عهود الله - تعالى - ؟
لقد بين - سبحانه - جانبا من رذائلهم، ومن العقوبات التي عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن أمره فقال: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، لَعَنَّاهُمْ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
والفاء في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم، والباء للسببية
و «ما» مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس والجار والمجرور - متعلق بقوله: لَعَنَّاهُمْ وقوله: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً معطوف على ما قبله وقوله: قاسِيَةً بوزن فاعلة - من القسوة بمعنى الصلابة واليبوسة يقال: قسا قلبه يقسو فهو قاس، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب أي فبسبب جرائمهم الشديدة أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تتأثر بالمواعظ والنذر.
وقرأ حمزة والكسائي: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً بتشديد الياء من غير ألف على وزن فعيلة.
وللمفسرين في معناها رأيان:
أحدهما: أن (قسية) بمعنى قاسية، غير أن فيها مبالغة، إذ هي على وزن فعيلة، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم.
والثاني: أن معنى (قسية) هنا غير معنى قاسية، لأن قسية في هذا الموضع مأخوذة من قولهم:
درهم قسى - على وزن شقي - أي: فاسد رديء لأنه مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم.
والمعنى على هذا الوجه: وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا وإنما يخالطه كفر ونفاق كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص أو غيرهما.