فائدة: وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ست مائة، ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة خمس مائة وستون سنة. وقال معمر عن بعض أصحابه: خمس مائة وأربعون سنة. وقال الضحاك: أربع مائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع مائة وثلاث وثلاثون سنة، والمشهور هو القول الأول وهو أنها ست مائة سنة. ومنهم عن يقول ست مائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ست مائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية. وبين كل مائة سنة شمسية، وبين القمرية نحو من ثلاث سنين. وكانت هذه الفترة بين عيسى بن مريم وبين محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، كما ثبت في"صحيح البخاري"عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي". وفي هذا رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له خالد بن سنان. كما حكاه القضاعي وغيره.
وفي هامش"ابن كثير": التحقيق الموافق للحساب الفلكي أن الهجرة النبوية كانت سنة ست مائة واثنين وعشرين لميلاد عيسى. والبعثة كانت قبل الهجرة بعشر سنين، باعتبار التبليغ، فهذا قريب ما اعتمده المؤلف انتهى.
ومدة ما بين موسى وعيسى ألف سنة، لكنها ليست فترة لبعثة كثيرين من الأنبياء بينهما، وكانوا ألف نبي على ما قيل، ويتعبدون بشريعة موسى، كداود وسليمان وزكريا ويحيى، على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه.
والمقصود من الآية: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على فترة من الرسل، وطموس عن السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 7/ 169 - 185} ...