(قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) أَيْ قُلْ لَهُمْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمُ اللهُ تَعَالَى بِذُنُوبِكُمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا تَعْلَمُونَ مِنْ تَارِيخِكُمُ الْمَاضِي ، وَكَمَا تَرَوْنَ فِي تَارِيخِكُمُ الْحَاضِرِ ، وَمِنْ هَذَا الْعَذَابِ لِلْيَهُودِ مَا كَانَ مِنْ تَخْرِيبِ الْوَثَنِيِّينَ لِمَسْجِدِهِمُ الْأَكْبَرِ وَلِبَلَدِهِمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ ، وَمِنْ إِزَالَةِ مُلْكِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلِلنَّصَارَى مَا اضْطَهَدَهُمْ بِهِ الْأُمَمُ ، وَمَا نَكَّلَ بِهِ بَعْضَهُمْ ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ تَنْكِيلِهِمْ وَتَنْكِيلِ الْوَثَنِيِّينَ بِالْيَهُودِ ; أَيْ أَنَّ الْأَبَ لَا يُعَذِّبُ ابْنَهُ ، وَالْمُحِبَّ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ ، فَلَسْتُمْ إِذًا أَبْنَاءَ اللهِ وَلَا أَحِبَّاءَهُ ، بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ الْحَكَمُ الْعَدْلُ ، لَا يُحَابِي أَحَدًا ، وَإِنَّمَا يَغْفِرُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَغْفِرَةِ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ ، فَهُوَ يَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، كَمَا يَجْزِي سَائِرَ الْبَشَرِ أَمْثَالَكُمْ ، فَارْجِعُوا عَنْ غُرُورِكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ وَسَلَفِكُمْ وَكُتُبِكُمْ ; فَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، لَا بِمَنْ سَلَفَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ .