لذا يجب نفي تأثير جميع المخلوقات والأشياء، وإثبات اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته ودينه، فهو الفعّال لما يشاء، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بإذنه، فهو سبحانه الذي {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد: 2] .
ولهذا لا ينتفع بالقرآن حقاً إلا من نفى تأثير هذه الأشياء النفي الكامل، وجاء عنده اليقين على الله وحده، وتكل عليه وحده، وفوض الأمور كلها إلى الله وحده، كما قال سبحانه: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) } [الجاثية: 20] .
فمن آمن بالله وحده .. وسلم نفسه لله وحده .. وتوكل على الله وحده .. وصبر على ذلك .. نصره الله .. وسخر له الكائنات .. واستخلفه في الأرض .. وأسعده في الدنيا والآخرة .. وجعله داعياً إلى الله وإلى دينه .. كما قال سبحانه:
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } [السجدة: 24] .
فبطاعة الله ورسوله، وامتثال الأوامر الشرعية، تقضى الحاجات، وتحل مشاكل الدنيا والآخرة، لا بالأموال والأسباب.
وأهل الجاهلية كان عندهم مرضان خطيران:
الأول: اليقين على الأسباب والأصنام، فاجتهد عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى خرج من قلوبهم يقين الأسباب، ويقين الأصنام، إلى اليقين على الله وحده لا شريك له.
الثاني: كان عندهم مرض آخر، وهو أن قاضي الحاجات هو الأسباب.
فالله عزَّ وجلَّ أعطاهم الأوامر لقضاء حاجاتهم، فأخرج لهم الحوت العظيم من البحر .. وأنزل لهم بصلاة الاستسقاء الماء من السماء .. وأخرج لهم الماء في الحديبية من بين أصابع الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. ورأوا البركة في الطعام والماء واللبن بسبب امتثال أوامر الله عزَّ وجلَّ، وقضى الله حاجاتهم ونصرهم مع قلة الأسباب أو عدمها.