إنهم الذين قال الله تعالى فيهم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون: 1 - 11] .
أول صفة لهؤلاء المؤمنين أنهم في صلاتهم خاشعون، تستشعر قلوبهم رهبة الموقف بين يدي الله في الصلاة فتسكن وتخشع، ويسري الخشوع منها إلى
الجوارح، ويغشى أرواحهم جلال الله، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، ولا تشتغل بسواه، فهم مشغولون بنجواه.
ويتوارى عن حسهم عند مناجاة ربهم كل ما حولهم وكل ما بهم، فلا يشهدون إلا الله، ولا يحسون إلا إياه.
ويتطهر وجدانهم من كل دنس، وينفضون عنهم كل شائبة.
فتتصل هذه الروح بخالقها، وتجد الروح الحائرة طريقها، ويعرف القلب الموحش مثواه فيسكن إلى ربه ويطمئن إليه، ويتلذذ بمناجاته.
والصفة الثانية: الإعراض عن اللغو كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) } [المؤمنون: 3] .
فهم معرضون عن كل لغو، لغو القول، ولغو الفعل، ولغو الاهتمام والشعور.
إن قلب المؤمن له ما يشغله عن اللغو واللهو والهذر واللعب.
وله ما يشغله من ذكر الله وتصور جلاله، وتدبر آياته في الأنفس والآفاق.
وله ما يشغله في تكاليف العقيدة من تطهير القلب وتزكية النفس، وتكاليفها في السلوك والثبات على الإيمان، وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله.
وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها، وحمايتها من كيد الأعداء.
وهي تكاليف لا تنتهي، ولا يغفل عنها المؤمن، ولا يعفي نفسه منها، وهي مفروضة عليه، وأمانة في عنقه.