المسألة الحادية والأربعون: فِي الحكمة فِي وضع الألفاظ للمعاني: وهي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما فِي ضميره ليمكنه التوسل به إلى الاستعانة بالغير ، ولا بدّ لذلك التعريف من طريق ، والطرق كثيرة مثل الكتابة والإشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء ، إلا أن أسهلها وأحسنها هو تعريف ما فِي القلوب والضمائر بهذه الألفاظ ، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت ، والأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة ، وهذه المعاني تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف الكتابة والإشارة وغيرهما ، والثاني: أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه فِي الحال ، فعند الاحتياج إليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي ، والثالث: أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة فِي مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة ، وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير متناهية ، فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحداً من تلك الكلمات توزعت الألفاظ على المعاني من غير التباس واشتباه ، ومثل هذا لا يوجد فِي الإشارة والتصفيق ، فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة ، بأن أحسن التعريفات لما فِي القلوب هو الألفاظ.
لذاته معرفة الحق: