لنا أنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة ، والذاتيات لا تكون كذلك ، حجة عباد أنه لو لم تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة والمعاني المعينة وإلا لزم أن يكون تخصيص كل واحد منها بمسماه ترجيحاً للممكن من غير مرجح ، وهو محال ، وجوابنا أنه ينتقض باختصاص حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده ، وإلا لم يرجح ، ويشكل أيضاً باختصاص كل إنسان باسم علمه المعين.
المسألة التاسعة والعشرون: وقد يتفق فِي بعض الألفاظ كونه مناسباً لمعناه مثل تسميتهم القطا بهذا الاسم ، لأن هذا اللفظ يشبه صوته ، وكذا القول فِي اللقلق ، وأيضاً وضعوا لفظ"الخضم"لأكل الرطب نحو البطيخ والقثاء ، ولفظ"القضم"لأكل اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ، لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشيء الرطب وحرف القاف يشبه صوت أكل الشيء اليابس ، ولهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني فِي"الخصائص".
اللغة إلهام:
المسألة الثلاثون: لا يمكننا القطع بأن دلالة الألفاظ توقيفية ، ومنهم من قطع به ، واحتج فيه بالعقل والنقل: أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا يمكن إلا بالقول ، فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقاً بوضع آخر لا إلى نهاية ، وهو محال ، فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف الله تعالى ، وأما النقل فقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا}
[البقرة: 31] وأجيب عن الأول بأنه لِمَ لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة ؟ وعن الثاني لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام ؟ وأيضاً لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام ، ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام.