وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) قال أكثر أهل التفسير: إنه هَمَّ أن يُقَوِّي سارقًا - يقال له: طُعْمَة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره. فلئن كان ذلك إنما كان لما ذكرنا.
وأما النهي عن أن يكون للخاثنين خصيما: نهي وإن كان يعلم أنه لا يكون لما عصمه اللَّه؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْركِينَ) ، (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ، إن كان عصمه من أن يكون منهم، والعصمة إنما تنفع إذا كان ثمة أمر ونهي، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة والتوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(106)
وقوله - تعالى -: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) ، ليس هو قول الناس: نستغفر اللَّه، ولكن كأنه قال: كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب؛ ألا ترى إلى قول هود لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ...) الآية. وقال نوح - عليه السلام - لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا...) الآية، لم يريدوا أن يقولوا: نستغفر اللَّه قولا حسب؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة: نستغفر اللَّه، لكان لا ينفعهم ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)
وحقيقة الاستغفار وجهان:
أحدهما: الانتهاء عما أوجب العقوبة؛ لقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) وعلى ذلك معنى قول من ذكر.
والثاني: طلب الستر بالعفو والتجاوز.