وَهُمُ الْفُصَحَاءُ اللُّدُّ، وَالْخُطَبَاءُ اللُّسْنُ قَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ مَا أَتَى بِهِ .. وَالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ بَلْ عَنْ فَهْمِ وَصْفِهِ وَصُورَةِ تَأْلِيفِهِ وَنَظْمِهِ فَكَيْفَ بِأَعْجَمِيٍّ أَلْكَنَ نَعَمْ وَقَدْ كَانَ سَلْمَانُ أَوْ بَلْعَامُ الرُّومِيُّ أَوْ يَعِيشُ أَوْ جَبْرٌ أَوْ يَسَارٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ في اسمه بين أظهرهم يكلمونه مَدَى أَعْمَارِهِمْ فَهَلْ حُكِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ مَا كَانَ يَجِيءُ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَلْ عُرِفَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِمَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ .. وَمَا منع العدو حينئذ على كثرة عدده ودؤوب طَلَبِهِ وَقُوَّةِ حَسَدِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى هَذَا فيأخذ عنه أَيْضًا مَا يُعَارِضُ بِهِ .. وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ مَا يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى شِيعَتِهِ كَفِعْلِ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بِمَا كَانَ يُمَخْرِقُ بِهِ مِنْ أَخْبَارِ كُتُبِهِ .. وَلَا غَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْمِهِ وَلَا كَثُرَتِ اخْتِلَافَاتُهُ إِلَى بِلَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُقَالُ إِنَّهُ اسْتَمَدَّ مِنْهُمْ .. بَلْ لَمْ يَزَلْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَرْعَى فِي صغره وشبابه على عادة أنبيائهم ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا فِي سَفْرَةٍ أَوْ سَفْرَتَيْنِ لَمْ يَطُلْ فِيهِمَا مُكْثُهُ مُدَّةً يَحْتَمِلُ فِيهَا تَعْلِيمَ الْقَلِيلِ .. فَكَيْفَ الْكَثِيرُ!!. بَلْ كَانَ فِي سَفَرِهِ فِي صُحْبَةِ قَوْمِهِ ورفاقة عشيرته لَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ .. وَلَا خَالَفَ حَالُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ مِنْ تَعْلِيمٍ وَاخْتِلَافٍ إِلَى حَبْرٍ أَوْ قَسٍّ أَوْ مُنَجِّمٍ أَوْ كَاهِنٍ ..
بَلْ لَوْ كَانَ هَذَا بَعْدُ كُلُّهُ لَكَانَ مَجِيءُ ما أتى به في مُعْجِزِ الْقُرْآنِ قَاطِعًا لِكُلِّ عُذْرٍ وَمُدْحِضًا لِكُلِّ حجة ومجلّيا لكل أمر .. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...