وفيه تأنيب لهؤُلاء المنافقين، الذين ضاقوا بما فرض الله عليهم من قتال، وإبراز لحماقة تفكيرهم، فإِن الجبن لا يطيل عمرا، وإنما يجلب ذُلًّا. والشجاعة لا تنقص أجلا، وإنما تورث عِزًّا.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ} :
هذا بيان لنقيصة أخرى من نقائص هؤلاءَ المنافقين. فقد كانوا يقولون - إذا حلت بهم نعمة من سعة في الرزق، وكثرة في الأَموال والأولاد - هذا الذي أصابنا من النعم من عند الله. قالوا ذلك، لا عن إِيمان بالله، واعتراف بفضله، بل قالوه؛ تهوينًا لشأْن النبي صلى الله عليه وسلم، وإِشارة إلى أنه لا يأْتيهم بخير .. يدل على ذلك ما حكاه القرآن عنهم بقوله:
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} :
أي: وإن يُصيبهم جدب وقحط، ونقص في الأَموال أو الأولاد، ونحو ذلك.
قالوا: أصابنا ذلك بشؤْمك الذي لحقنا ..
فردَّ الله عليهم بقوله:
{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ} :
أي: قل لهم يا محمد: إن كل ما يصيبكم من حسنات وسيئات، إنما هو من عند الله: بقضائه وقدره. فهو - وحده - الذي يملك النفع والضر، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد.
{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} :
تعبير لهم بالجهل، وتعجيب من كمال غباوتهم، وتقبيح لحالهم.
والمعنى: فما شأن هؤُلاء القوم؟ وماذا أصاب عقولهم، حتى أصبحوا بعيدين عن الفهم والإِدراك لما يسمعون، ولما يقولون. ولا يفهمون أن كُلًّا من الخير والشر، من عند الله وحده!
79 - {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ... } الآية.
بعد أن تحدثت الآية السابقة، عن فرية من مفتريات المنافقين - وما أكثر ما افتروا، حينما قالوا: إن البلية تصيبنا بشؤْم هذا الرجل، يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن ذكرت أَمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم. بالرد عليهم، ودحضها في قوله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ} . جاءَت هذه الآية بتفصيل هذا الرد وتأْكيد معناه:
{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ} :