فالاستفهام في الآية الكريمة، لإنكار واستقباح النخلف عن الجهاد.
وقد استدعاه باعثان قويان:
الأول: الدفاع عن الإِسلام.
والثاني: تخليص المستضعفين من المسلمين المستذلين بمكة. الذين يتعرضون لأنواع العذاب والنكال. وهم ضعفاء: لا يستطيعون مقاومة المعتدين الطغاة.
وكلا الباعثين جدير بأن يحفز المؤمنين حفزا إلى القتال. وكلاهما جهاد في سبيل الله ... ولكنه أفرد المستضعفين، استثارةً للحمية والأنفة والغيرة، لما لها - في نفوس العرب - من مكان مكين.
{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} :
أي لا عذر لكم في ترك القتال؛ لتخليص المستضعفين الذين عذبهم المشركون بمكة، ومنعوهم من الهجرة أَو حرية العبادة. فاتجهوا إلم الله عز وجل، ضارعين قائلين: يا إلهنا المنعم، المتفضل علينا بنعمة الإِسلام - هيئ لنا الخروج من مكة، والهجرة منها، فِرارا بديننا من أَهلها الطغاة الظالمين، الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وظلمونا بتعذيبنا، ومَنْعِنَا من الهجرة ومن حرية العبادة، وهيئ لنا - بفضلك - وليًّا يتولى أمورنا ويحمينا منهم، وهيئ لنا - من عندك - من ينصرنا عليهم وييسر لنا طريق الهجرة إلى إخواننا المسلمين.
قال ابن عباس - فيما رواه البخاري عنه:
"كنت أَنَا وأمي مِنَ المستَضْعَفِينَ".
ونسبة الظلم إلى أَهل مكة: تشريف لها وصيانة عن نسبة الظلم إليها، فهو مقصور على أهلها المشركين.
76 - {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ... } الآية.
وازنت هذه الآية الكريمة بين فريق المؤمنين، وفريق الكافرين.
فالمؤمنين يقاتلون في سبيل الدفاع عن عقيدتهم، وعن أوطانهم، وعن إخوانهم المستذلين. وهذا كله في سبيل الله. وقد وعد الله المجاهدين في سبيله بإحدى الحسنيين: الشهادة وما وراءَها من أَجر جزيل، أو النصر وما يتبعه من عز وتمكين.
أما الكفار، فهم يقاتلون في سبيل الطغيان والظلم والاستعلاء.
وشتان بين مَن يجاهد في سبيل المبادئ والمثل العليا، ومَن يقاتل عدوانا وظلما، وتمكينا للطغاة الجبارين.