ولكن المجموعة الأولى من هذه المجموعات التي تتحدث عن الذين: {قيل لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. فلما كتب عليهم القتال} ... الآيات هي التي جعلتنا نتردد في اعتبار الآيات كلها حديثاً عن المنافقين - وإن بدت فيها صفات المنافقين وبدت فيها لحمة السياق واستطراده - وجعلتنا نميل إلى اعتبار هذه المجموعة واردة في طائفة من المهاجرين - ضعاف الإيمان غير منافقين - والضعف قريب الملامح من النفاق - وأن كل مجموعة أخرى من هذه المجموعات الأربع ربما كانت تصف طائفة بعينها من طوائف المنافقين ، المندسين في الصف المسلم. وربما كانت كلها وصفاً للمنافقين عامة ؛ وهي تعدد ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال.
والسبب في وقوفنا هذا الموقف أمام آيات المجموعة الأولى ؛ وظننا أنها تصف طائفة من المهاجرين الضعاف الإيمان ؛ أو الذين لم ينضج بعد تصورهم الإيماني ؛ ولم تتضح معالم الاعتقاد في قلوبهم وعقولهم..
السبب هو أن المهاجرين هم الذين كان بعضهم تأخذه الحماسة والاندفاع ، لدفع أذى المشركين - وهم في مكة - في وقت لم يكن مأذوناً لهم في القتال - فقيل لهم: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ..
وحتى لو أخذنا في الاعتبار ما عرضه أصحاب بيعة العقبة الثانية الاثنان والسبعون على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ميلهم على أهل منى - أي قتلهم - لو أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورده عليهم:"إننا لم نؤمر بقتال". فإن هذا لا يجعلنا ندمج هذه المجموعة من السابقين من الأنصار - أصحاب بيعه العقبة - في المنافقين ، الذين تتحدث عنهم بقية الآيات. ولا في الضعاف الذين تصفهم المجموعة الأولى. فإنه لم يعرف عن هؤلاء الصفوة نفاق ولا ضعف ؛ رضي الله عنهم جميعاً.
فأقرب الاحتمالات هو أن تكون هذه المجموعة واردة في بعض من المهاجرين ، الذين ضعفت نفوسهم - وقد أمنوا في المدينة وذهب عنهم الأذى - عن تكاليف القتال.