باطل ممتنع محال، ولا يمكن أن يخلق المخلوق نفسه؛ لأن معناه أنه كان موجودًا قبل أن يُوجد فأوجد نفسه في وقت لا وجود لذاته فيه، ثم كان هذا المخلوق، وهذا محال ممتنع؛ لأن كونه مخلوقًا فقد سُبق بعدم، فكيف يوجد نفسه من عدم، وهذا من أمحل المحال، وأما الجهة الثالثة وهي التي دل عليها سياق الآية أن الله الرب المعبود - سبحانه وتعالى - هو الخالق فإذا انعدمت الجهتان السابقتان تعين أن يكون الخالق هو الله - سبحانه وتعالى - ولا بد [1] .
أقول: حتى الكفار الذين جحدوا دعوات الأنبياء لم يكونوا يعتقدون أن خالقًا غير الله خلقهم، بل كانوا يقرون ذلك لله وحده، وهذا يظهر واضحًا من خلال قوله تعالى {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] .
ج: يدل على ذلك _ أيضًا _ الخبر والعقل:
إما الخبر: فقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] ، وقوله تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] .
وإما العقل: فجميع المخلوقات التي خلقها الله لا تستطيع العيش بدون طعام وشراب، والطعام والشراب قد خلقهما الله، فدل هذا على أن الرزاق هو الله تعالى {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُون، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُون، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُون، أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ، لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُون،} [الواقعة: 64، 70] .
وكذلك الكفار لم ينكروا هذه الصفة لله تعالى ولم يجحدوها، قال تبارك وتعالى قُلْ
(1) أنظر (مفتاح الوصول: 32) للأسمري، (وشرح الثلاثة الأصول: 23) للشيخ أبن عثيمين.