(عرج به) : المعراج اسم آلة يصعد عليها إلى السماء، فصعد إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى، ففرض الله - سبحانه وتعالى - الصلوات الخمس، كن خمسين فصرن خمسًا في الأفعال وخمسين في الأجور، وجاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها (( أن الصلاة فرضت اثنتين ثم أبقيت في السفر وزيدت في الحضر ) ).
ففرضت الصلوات الرباعية في المعراج أثنتين، أثنتين، ثم بعد ذلك زيد في الصلاة لما انتقل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فأصبحت صلاة العشاء والظهر والعصر أربعًا، وأما في السفر فتكون على اثنتين.
وخبر الإسراء والمعراج دل عليه دلالتان:-
أما الدلالة الأولى: فدلالة الخبر والأخبار في ذلك متواترة مستفيضة ومنها سورة الإسراء.
وأما الدلالة فالإجماع: والإجماع نقله غير واحد، ومن أولئك أبن كثير يرحمه الله في تفسيره وجماعة.
(صلى في مكة ثلاث سنين) : أي بعد السنة العاشرة بقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين، كما سبق تقريره وهو يصلي أثنتين اثنتين إلا المغرب فقد كانت ثلاثًا على ما قرره جماعة، ومن أولئك الحافظ أبن حجر ـ يرحمه الله ـ في (( فتح الباري ) ).
ج: قال الأسمري في (( شرحه: 121 ) ): (( وصلى في مكة ثلاث سنين وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة)
(وبعدها أمر) : أي بعد الثلاث من السنين من إسرائه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالهجرة إلى المدينة.
(الهجرة) : مأخوذة من الهجر، والهجر في اللغة ضد الوصل يقال فلان هجر أخاه إذا لم يصله، هذا المعنى مقرر عند أئمة اللسان العربي.
وأما الهجرة: فيقصد بها الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، كما قاله أهل الفقه والعلم، وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من مكة إلى المدينة وقد دل على هجرته - صلى الله عليه وسلم - أدلة متواترة مستفيضة وهذا ظاهرٌ بين.
(المدينة) : (أل) في قوله (المدينة) للعهد الذهني، أي مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - المعروفة التي يسميها الناس اليوم بالمدينة المنورة، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بالمدينة، وجاء في الأحاديث الصحيحة تسمية الصحابة رضوان الله عليهم لها بمدينة النبي، واشتهر عند المتأخرين من المؤرخين تسميتها بالمدينة المنورة وهي تعرف اليوم بهذا الاسم.
(والهجرة فريضة على هذه الأمة) . (فريضة) : أي واجبة.
(على هذه الأمة) : هذه إشارة إلى مشار إليه وهي أمة الإجابة، إذ إن الأمة أمتان:-
أمة الإجابة: وهي التي أجابت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأمة دعوة: وهي التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم بدعوتها والنذارة فيها.
(من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وهي باقية إلى أن تقوم الساعة) .
ليعلم أن حكم الهجرة على أمة الإجابة يأتي على نوعين هما حكمان:-
أما النوع الأول: فهو وجوب الهجرة وذلك له شرطان: ـ
أما الشرط الأول: فهو أن يكون قادرًا على الذهاب من دار الشرك إلى دار الإسلام مستطيعًا عليه.
والشرط الثاني: فهو أن لا يقوى على إظهار دينه هناك.
فإذا اجتمع الشرطان وجب عليه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
وقد دل على وجوب الهجرة من بلد الكفر دليلان:-
أما الدليل الأول: فما ذكره المصنف ـ يرحمه الله ـ بعد بقوله (والدليل قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... } الآية، ودلالتها على المقصود أن هؤلاء