وأما الثالث: فمن دعا الناس إلى عبادة نفسه، أي أنه جعل الناس يعبدونه بأمر منه ورغب، ومن أمثلة أولئك فرعون لعنه الله فإنه قد دعى الناس أن يعبدوه من دون الله - سبحانه وتعالى -.
وأما الرابع: فمن ادعى شيئًا من علم الغيب.
(شيئًا) : نكرة في سياقٍ شرطي ومن ثم عمّه على ما قرّره جمهور الأصوليين، فيكون المعنى: من ادعى من علم الغيب -أي شيء- من علم الغيب فإنه يكون من رؤوس الطواغيت.
(علم الغيب) : يقصد به ما كان خصوصيًا لله - سبحانه وتعالى - إذ إن المغيبات نوعان:
أما النوع الأول: فخاص بالله - سبحانه وتعالى -، لا يعلمه إلا هو.
وأما الثاني: فليس خاصًا به - سبحانه وتعالى -، كأن يعلم فلان بسفر زيد من داره إلى دار أخرى فيكون علمًا مغيبًا عليه له أن يعرفه بعد غياب هذا العلم عنه، وهذا لا شيء فيه، والأول هو المقصود من قول المصنف (من علم الغيب) .
وأما الخامس: فهو من حكم بغير ما أنزل الله.
(الحكم بغير ما أنزل الله) : أن يجعل الإنسان حكم غير الله محل حكم الله - سبحانه وتعالى - فيحتكم إليه، والحكمُ بغير ما أنزل الله نوعان: ـ
الأول: ما هو كفر بالله، يخرج من ملة الإسلام، كالذي يجحد حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويتحاكم إلى قوانين وضعية، فإن ذلك كافر بإجماع المسلمين كما قرره المسلمون.
والثاني: هو ما كان دون ذلك، ومن أمثلته هو أن تقع المعصية من قبل بعض الناس فيحكم بغير ما أنزل الله مع إقراره بحاكمية الشرع وأن يتحاكم إلى الشرع راضيًا بحكم الله ورسوله؛ ولكن خرج ذلك منه لغفلة أو شهوة أو نحوها فهذه معصية.
فهذه الخمسة هي روؤس الطواغيت كما قاله المصنف - يرحمه الله -.
ثم قال ـ يرحمه الله ـ (والدليل قوله تعالى {لا إكراه في الدين ... } الآية
هذا الدليل يحتمل أن يستدل به على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو روؤس الطاغوتية الخمسة، وما في الآية لا يصح دلالة عليه، وأما الثاني فهو أن يكون راجعًا