الاستغاثة عبادة؛ وجه كونها عبادة أن الله جل وعلا قال هنا (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وجه الاستدلال أنه أتى بها في معرض الثناء عليهم , وأنه رتّب عليها الإجابة , وما دام الله جل وعلا رتّب على استغاثتهم به إجابته جل وعلا دل على أنه يحبها , وقد رضيها منهم , فنتج أنها من العبادة، و (إِذْ) هنا بمعنى حين (إذ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم ْ) يعني حين (تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وتلاحظ أنّ الآية هنا (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم ْ) وقبلها (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) الاستغاثة - كما ذكرت لك - والاستعاذة والاستعانة ونحو ذلك, تتعلق بالربوبية كثيرًا , هنا (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) قال قبلها (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ِ) لأن حقيقتها من مقتضيات الربوبية , من الذي يُغيث؟ هو المالك، هو المدبر، هو الذي يُصرِّف الأمر , وهو ربّ كل شيء جل وعلا. الاستغاثة عمل ظاهر , ولهذا يجوز أن يستغيث المرء بمخلوق , لكن بشروطه, وهي أن يكون هذا المطلوب منه الغوث , أن يكون حيًا، حاضرًا، قادرًا، يسمع, فإذا لم يكن حيًا كان ميتًا صارت الاستغاثة بهذا الميت كفرًا , ولو كان يسمع ولو كان قادرًا , مثل الملائكة أو الجن, قلنا أن يكون حيًا حاضرًا قادرًا يسمع , صحيح؟ طيّب، إذا لم يكن حيًا كان ميتًا، ولو اعتقد المستغيث أنه يسمع وأنه قادر، فإنه إذ كان ميتًا فإن الاستغاثة به شرك. الأموات جميعا لا يقدرون على الإغاثة لكن قد يقوم بقلوب المشركين بهم أنهم يسمعون، وأنهم أحياء مثل حال الشهداء، وأنهم يقدرون مثل ما يزعم في حال النبي عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك، فنقول إذ كان ميتا فإنه لا يجوز الطلب منه، قالوا فما يحصل يوم القيامة من استغاثة الناس بآدم ثم استغاثتهم بنوح إلى آخر أنهم استغاثوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، نقول هذا ليس استغاثة بأموات، يوم القيامة هؤلاء أحياء، يُبعث الناس ويُحيَوْن من جديد، كانوا في حياة ثم ماتوا ثم أعيدوا إلى حياة أخرى. فهي استغاثة بمن؟ بحي، حاضر، قادر، يسمع. بهذا ليس فيما