عودة المقتدر إلى الخلافة فلما كان يوم الاثنين سابع عشر المحرم ثالث يوم خلع المقتدر بكر الناس إِلى دار الخلافة حتى امتلأت الرحاب لأنه يوم موكب ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم وحضرت الرجال المصافية بالسلاح يطالبون بحق البيعة وارتفعت زعقاتهم فخرج من عند القاهر ياروك ليطيب خواطرهم فرأى في أيديهم السيوف المسلولة فخافهم فرجع وتبعوه فقتلوه في دار الخلافة وصرخوا: يا مقتدر يا منصور وهجموا على القاهر فهرب واختفى وتفرق عنه الناس ولم يبق بدار الخلافة أحد ثم قصد الرجالة دار مؤنس الخادم وطلبوا المقتدر منه فأخرجه وسلمه إِليهم فحمله الرجالة على رقابهم حتى أدخلوه إلى دار الخلافة ثم أرسل المقتدر خلف أخيه القاهر بالأمان وأحضره وقال: قد علمت أنه لا ذنب لك وقيل بين عينه وأمنه فشكر إحسانه .
ثم حبس القاهر عند والدة المقتدر فأحسنت إليه ووسعت عليه واستقر المقتدر في الخلافة وسكنت الفتنة وكان أشار مؤنس إعادة المقتدر إِلى الخلافة وإنما خلعه موافقة للعسكر .
وفي هذه السنة وافى أبو طاهر القرمطي مكة يوم التروية وكان الحجاج قد وصلوا إِلى مكة سالمين فنهب أبو طاهر أموال الحجاج وقتلهم حتى في المسجد الحرام وداخل الكعبة وقلع الحجر الأسود من الركن ونقله إلى هجر وقتل أمير مكة ابن محلب وأصحابه وقلع باب البيت وأصعد رجلًا ليقلع الميزاب فسقط فمات وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه .
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة وقع بسبب تفسير قوله تعالى ( عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ) ( الإسراء: 79 ) ببغداد فتنة عظيمة بين الحنابلة وغيرهم ودخل فيها الجند والعامة واقتتلوا فقتل بينهم قتلى كثيرة فقال أبو بكر المروزي الحنبلي وأصحابه: إِن معنى ذلك أن الله تعالى يقعد النبي صلى الله عليه وسلم معه على العرش وقالت الطائفة الأخرى: إِنما هي الشفاعة فاقتتلوا بسبب ذلك .