أظن الشام يشمت بالعراق إِذا عزم الإمام على انطلاق فإِن تدع العراقَ وساكنيهِ فقد تبكي المليحةُ بالطلاقِ ثم استوبأ المتوكل دمشق واستثقل ماءها فرجع إِلى سامراء وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامًا وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب وقبض ماله ونفاه إِلى البحرين .
وفيها قتل المتوكل أبا يوسف يعقوب بن إِسحاق المعروف بابن السكيت صاحب كتاب إصلاح المنطق في اللغة وغيره وكان إِمامًا اللغة والأدب قتله المتوكل لأنه قال له أيمّا أحب إليك: ابناي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين فغض ابن السكّيت عن ابنيه وذكر عن الحسن والحسين ما هما أهله فأمر مماليكه فداسوا بطَنه فحمل إِلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم .
وقيل إن المتوكل لما سأل ابن السكيت عن ولديه وعن الحسن والحسين قال له ابن السكيت: والله إِن قنبرًا خادم علي خير منك ومن ولديك .
فقال المتوكل سلوا لسانه من قفاه ففعلوا به ذلك فمات لساعته في رجب في هذه السنة المذكورة وكان عمره ثمانيًا وخمسين سنة والسكيت بكسر السين المهملة وتشديد الكاف فعيل اسم لكثير السكوت والصمت .
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين
في هذه السنة توفي ذو النون المصري في ذي القعدة وأبو علي الحسين بن علي المعروف بالكرابيسي صاحب الشافعي .
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين
فيها تحول المتوكل إلى الجعفري وكان قد ابتدئ في عمارته سنة خمس وأربعين ومائتين وأنفق عليه أموالًا تجل عن الحصر وكان يقال لموضعه الماحورة وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاعر وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة وكان يتشيع .
مقتل المتوكل في هذه السنة
قتل المتوكل جماعة بالليل بالسيوف وقت خلوته باتفاق من ابنه المنتصر وبغا الصغير الشرابي وقتل في مجلس شرابه وقتل معه وزيره الفتح ابن خاقان وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام وعمره نحو أربعين سنة وكان أسمر خفيف العارضين .