وسبب هذا الخلاف عدم تحديدهم المراد من المحكم ومن المتشابه ، ولهم فِي ذلك أقوال:
أحدها: أن المحكم ما عرف المراد منه ، إما بالظهور وإما بالتأويل ، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه؛ كقيام الساعة ، والحروف المقطعة فِي أوائل السور..
وهذا القول غير سديد؛ فالقرآن كله يعرف المراد منه ، إما بسبب ظهور اللفظ ، أو بتأويله إن وجدت قرينة. وأما ما استأثر الله بعلمه ، فلا دخل لنا فيه؛ لأنه يخاطبنا بما نعلم. وتحديد وقت الساعة لا يندرج تحت مدلولات الألفاظ ، وحاشاه أن يخاطبنا بالرموز والألغاز ، ولا ننكر أن الناس مختلفون فِي حظوظهم من تفهم القرآن ، فالراسخ فِي العلم حظه من تفهم القرآن أوفر من غيره.
ثانيها: أن المحكم ما وضح معناه ، والمتشابه نقيضه1.
وهذا القول أيضًا نسبي ، فإن وضوح المعنى قد يبدو لبعض الناس ويخفى على بعضهم. وكذلك الخفاء يظهر لبعض الناس ويغيب عن بعضهم..
ثالثها: أن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا ، والمتشابه ما احتمل أوجهًا.
ويناقش هذا القول بأن أكثر القرآن حمال لوجوه متعددة - كما سبق فِي الوجوه والنظائر.
رابعها: أن المحكم ما كان معقول المعنى ، والمتشابه بخلافه؛ كعدد ركعات الصلاة ، واختصاص رمضان بالصيام دون شعبان وشوال.
1 المحكم: هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال ، والمتشابه: هو الذي طرأ عليه خفاء فِي المعنى المراد منه. انظر: رأي السيوطي فِي الإتقان 2/ 4 ، وهذا الرأي هو الراجح لأدلة مذكورة فِي كتب علوم القرآن.