إن القرآن الكريم كلام الله عزَّ وجلَّ، فلا يفهمه ولا يجد طعمه إلا من آمن به، ولا يلتذ به وبقراءته وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله، تكلم به حقاً، وأنزله على رسوله وحياً.
ولا ينال بركته ولا يستفيد من معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه فهو كتاب جليل القدر عظيم النفع، حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكم مفصل.
أصدق الكلام وأحسنه وأكمله:
فيه الأمر والنهي .. والوعد والوعيد .. والثواب والعقاب، تطمئن به القلوب .. وتنشرح له الصدور .. أنزله الله هدى ونوراً وشفاء للبشرية إلى يوم القيامة: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) } [الأعراف: 2] .
فمن لم يؤمن بأن الله تكلم به وحياً ففي قلبه حرج منه.
ومن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه حرج منه.
ومن قال إن له باطناً يخالف ظاهره ففي قلبه حرج منه.
ومن قال إن له تأويلاً لا نفهمه ولا نعلمه، وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه حرج منه.
ومن سلط عليه الآراء الشاذة، وجعله تابعاً لنحلته ومذهبه تعصباً، في قلبه حرج منه.
ومن لم يأتمر بأمره، وينزجر عن زواجره، ويصدق أخباره، ويعمل بمحكمه،
ويؤمن بمتشابهه، ويرد ما سوى ذلك، ففي قلبه حرج منه.
ومن لم يحكمه ظاهراً وباطناً في جميع شعب الحياة، ويسلم وينقاد لحكمه أيا كان وأين كان، ففي قلبه حرج منه.
وكل كتاب من كتب الله عزَّ وجلَّ جاء بثلاثة أمور:
الأول: تعريف الناس بربهم ليعبدوه ويطيعوه، ويجتنبوا عبادة ما سواه.
الثاني: تعريفهم بالطريق الموصل إليه، والذي يحبه ويرضاه، وهو شرعه الذي أرسل به رسله، وما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي.
الثالث: تعريفهم بحالهم بعد القدوم على ربهم بعد الموت، فللمؤمنين بالله الجنة، وللكفار النار، كل يجازى بحسب عمله.
والشرائع التي أنزل الله ثلاث:
شريعة عدل: وهي شريعة التوراة، فيها الحكم والقصاص بالعدل، وهي شريعة الجلال والقهر.