وقوله تعالى:"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى"تفهم ذلك المعنى فإذا سألنا: ما معنى حافظوا ؟ الجواب - إذن - يقتضي أن نفهم أن عندنا"حفظاً يقابل"النسيان"، و"حفظا"يقابله"التضييع"، والاثنان يلتقيان ، فالذي حفظ شيئا ونسيه فإنه قد ضيعه. والذي حفظ مالا ثم بدده ، لقد ضيعه أيضاً ، إذن كلها معانٍ تلتقي فِي فقد الشي ، فالحفظ معناه أن تضمن بقاء شيء كان عندك ؛ فإذا ما حفظت آية فِي القرآن فلابد أن تحفظها فِي نفسك ، ولو أنعم الله عليك بمال فلابد أن تحافظ عليه. وقوله:"حافظوا على الصلوات"معناه لا تضيعوها. ويحتمل أيضاً معنى آخر هو أنكم قد ذقتم حلاوة الصلاة فِي القرب من معية ربكم ، وذلك أجدر وأولى أن تتمسكوا بها أكثر ، وذلك القول يسري على الصلوات الخمس التي نعرفها."
وقوله تعالى:"والصلاة الوسطى"ذكر للخاص بعد العام ، فكأن الله أمر بالمحافظة على ذلك الخاص مرتين ، مرة فِي دائرة العموم ومرة أخرى أفردها الله بالخصوص. وما العلة هنا فِي تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص ؟ إن"وسطى"هي تأنيث"أوسط"، والأوسط والوسطى هي الأمر بين شيئين على الاعتدال ، أي أن الطرفين متساويان ، ولا يكون الطرفان متساويين فِي العدد - وهي الصلوات الخمس - إلا إذا كانت الصلوات وتراً ؛ أي مفردة ؛ لأنها لو كان زوجية لما عرفنا الوسطى فيها ، وما دام المقصود هو وسط الخمس ، فهي الصلاة الثالثة التي يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان ، هذا إن لاحظت العدد ، باعتبار ترتيب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس.