قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} الْآيَةَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْخِطَابِ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ اسْتِيفَاءِ فُرُوضِهَا وَالْقِيَامِ بِحُدُودِهَا لِاقْتِضَاءِ ذِكْرِ الْمُحَافَظَةِ لَهَا.
وَأَكَّدَ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى بِإِفْرَادِهَا بِالذِّكْرِ ، لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ فَائِدَةِ ذِكْرِ التَّأْكِيدِ لَهَا ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَاشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى لُزُومِ السُّكُوتِ وَالْخُشُوعِ فِيهَا وَتَرْكِ الْمَشْيِ وَالْعَمَلِ فِيهَا ، وَذَلِكَ فِي حَالِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حَالَ الْخَوْفِ وَأَمَرَ بِفِعْلِهَا عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِهَا لِأَجْلِ الْخَوْفِ ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} قَوْلُهُ:"فَرِجَالًا"جَمْعُ رَاجِلٍ ؛ لِأَنَّك تَقُولُ: رَاجِلٌ وَرِجَالٌ ، كَتَاجِرٍ وَتِجَارٍ ؛ وَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ ، وَقَائِمٍ وَقِيَامٍ.
وَأَمَرَ بِفِعْلِهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ رَاجِلًا وَلَمْ يَعْذُرْ فِي تَرْكِهَا ، كَمَا أَمَرَ الْمَرِيضَ بِفِعْلِهَا عَلَى الْحَالِ الَّتِي يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَعَلَى جُنُبٍ ، وَأَمَرَهُ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ رَاكِبًا فِي حَالِ الْخَوْفِ إبَاحَةً لِفِعْلِهَا بِالْإِيمَاءِ ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ إنَّمَا يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ لَا يَفْعَلُ فِيهَا قِيَامًا وَلَا رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا.