يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَإِذَا طَلَّقْتُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ نِسَاءَكُمْ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يَعْنِي مِيقَاتَهُنَّ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهُنَّ مِنَ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْأَقْرَاءِ وَانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ، إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الشُّهُورِ {فَأَمْسِكُوهُنَّ}
يَقُولُ: فَرَاجِعُوهُنَّ إِنْ أَرَدْتُمْ رَجْعَتَهُنَّ فِي الطَّلْقَةِ الَّتِي فِيهَا رَجْعَةٌ، وَذَلِكَ إِمَّا فِي التَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ، أَوِ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِمَعْرُوفٍ} فَإِنَّهُ عَنَى بِمَا أَذِنَ بِهِ مِنَ الرَّجْعَةِ مِنَ الْإِشْهَادِ عَلَى الرَّجْعَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دُونَ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، وَعَلَى الصُّحْبَةِ مَعَ ذَلِكَ وَالْعِشْرَةِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَبَيَّنَّهُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}
يَقُولُ: أَوْ خَلُّوهُنَّ يَقْضِينَ تَمَامَ عِدَّتِهِنَّ وَيَنْقَضِي بَقِيَّةُ أَجَلِهِنَّ الَّذِي أَجَّلْتُهُ لَهُنَّ لِعِدَدِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ، يَقُولُ: بِإِيفَائِهِنَّ تَمَامَ حُقُوقِهِنَّ عَلَيْكُمْ عَلَى مَا أَلْزَمْتُكُمْ لَهُنَّ مِنْ مَهْرٍ وَمُتْعَةٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِنَّ قَبْلَكُمْ {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}
يَقُولُ: وَلَا تُرَاجِعُوهُنَّ إِنْ رَاجَعْتُمُوهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ مُضَارَّةً لَهُنَّ لِتُطَوِّلُوا عَلَيْهِنَّ مُدَّةَ انْقِضَاءِ عَدَدِهِنَّ، أَوْ لِتَأْخُذُوا مِنْهُنَّ بَعْضَ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ بِطَلَبِهِنَّ الْخُلْعَ مِنْكُمْ لِمُضَارَّتِكُمْ إِيَّاهُنَّ بِإِمْسَاكِكُمْ إِيَّاهُنَّ، وَمُرَاجَعَتِكُمُوهُنَّ ضِرَارًا وَاعْتِدَاءً.
وَقَوْلُهُ: {لِتَعْتَدُوا}
يَقُولُ: لِتَظْلِمُوهُنَّ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أَمْرِهِنَّ حُدُودِي الَّتِي بَيَّنْتُهَا لَكُمْ.
عَنْ مَسْرُوقٍ:" {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} قَالَ: يُطَلِّقَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَنْقَضِي رَاجَعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا، فَيَدَعُهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا رَاجَعَهَا، وَلَا يُرِيدُ إِمْسَاكَهَا، فَذَلِكَ الَّذِي يُضَارُّ وَيُتَّخَذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا"