والمعنى: أي فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، وأصروا على ذلك .. صرف الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الحيرة والشك، جزاء وفاقًا لما دسوا به أنفسهم من الذنوب والآثام ومخالفة أوامر رسوله وانهماكهم في الطغيان والمعاصي، فران على قلوبهم، وطمس على أعينهم فلم تنظر إلى ما تشاهد من دليل ولا تبصر ما ترى من برهان، كما قال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) } .
ثم أكد إزاغته لقلوبهم وبيّن علتها بقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} . هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها من الإزاغة، وتذييل مؤذن بعليته؛ أي: لا يهدي القوم الخارجين عن الطاعة ومنهاج الحق المصرين على الغواية هداية موصلة إلى البغية، لا هداية موصلة إلى ما يوجب إليها، فإنها شاملة للكل. والمراد: جنس الفاسقين، وهم داخلون في حكمهم دخولًا أوليًا. ووصفهم بالفسق نظرًا إلى قوله تعالى: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، وقوله تعالى: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} . قال الإِمام: وهذه الآية تدل على عظم أذى الرسول، حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى، انتهى. ويتبعه أذى العالمين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، فأذاهم في حكم أذاهم.
والمعنى: أي والله لا يوفق لإصابة الحق من اختار الكفر ونبذ طاعة الله ورسوله بما يرين على قلبه من الضلالة، فيحرمه النظر إلى الأدلة التي نصبت في الكون، وجعلت منارًا للعقول، وشفاء للصدور.