وحاصل المعنى: واذكر - يا محمد - لقومك خبر عبده ورسوله موسى بن عمران كليم الله، حين قال لقومه: لم تؤذونني وتخالفون أمري، فتتركوا القتال وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من رسالة ربي؟ وفي هذا تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما أصابه من قومه الكافرين ومن غيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". كما أن فيه نهيًا للمؤمنين أن ينالوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يوصلوا إليه أذى، كما جاء في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) } . وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قسم غنائم الطائف .. قال بعض المنافقين: هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فتغير وجهه الشريف وقال ذلك.
ثم بيّن عاقبة عصيانهم ومخالفة أمره بقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا} ؛ أي: أصروا على الزيغ والميل عن الحق الذي جاء به موسى، واستمروا عليه {أَزَاغَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {قُلُوبَهُمْ} ؛ أي: صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب؛ لصرف اختيارهم نحو الغي والضلال. وقال الراكب في"المفردات"؛ أي: لما فارقوا الاستقامة عاملهم بذلك، وقال جعفر: لما تركوا أوامر الخدمة نزع الله من قلوبهم نور الإيمان، وجعل للشيطان إليهم طريقًا، فأزاغهم عن طريق الحق وأدخلهم في مسالك الباطل. وقال الواسطي: لما زاغوا عن القربة في العلم أزاغ الله قلوبهم في الخلقة. وقال بعضهم: لما زاغوا عن العبادة أزاغ الله قلوبهم عن الإرادة. يقول الفقير: لما زاغوا عن رسالة موسى ونبوته أزاغ الله قلوبهم عن ولايته. فهم رأوا موسى على أنه موسى لا على أنه رسول نبي، فحرموا من رؤية الحق تعالى.