وكما حمى الإسلام أنفسهم من القتل حمى أبدانهم من الضرب والتعذيب فلا يجوز إلحاق الأذى بأجسامهم، ولو تأخروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقررة عليهم كالجزية والخراج، هذا مع أن الإسلام تشدد كل التشدد مع المسلمين إذا منعوا الزكاة.
ولم يُجِزْ الفقهاء في أمر الذميين المانعين أكثر من أن يُحبَسوا تأديبًا لهم، بدون أن يصحب الحبس أي تعذيب أو أشغال شاقة، وفي ذلك يكتب أبو يوسف: أن حكيم بن هشام أحد الصحابة رضي الله عنه رأى رجلاً (وهو على حمص) يشمِّس ناسًا من النبط (أي يوقفهم تحت حر الشمس) في أداء الجزية فقال: ما هذا! سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله عز وجل يُعذِّب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وقد رواه مسلم في الصحيح. (الخراج لأبي يوسف ص 125، وانظر: السنن الكبرى للبيهقي ج ـ 9 ص 205) .
وكتب عليٌّ رضي الله عنه إلى بعض ولاته على الخراج:"إذا قدمتَ عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرضًا (متاعًا) في شيء من الخراج، فإنما أُمِرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفتَ ما أمرتك به، يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك". قال الوالي: إذن أرجع إليك كما خرجت من عندك! (يعني أن الناس لا يُدفعون إلا بالشدة) قال: وإن رجعتَ كما خرجتَ". (الخراج لأبي يوسف ص 15 - 16، وانظر: السنن الكبرى أيضًا ج ـ 9 ص 205) ."
حماية الأموال
ومثل حماية الأنفس والأبدان حماية الأموال، هذا مما اتفق عليه المسلمون في جميع المذاهب، وفي جميع الأقطار، ومختلف العصور.
روى أبو يوسف في"الخراج"ما جاء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجران:"ولنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أموالهم وملتهم وبِيَعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ...". (الخراج ص 72) .