فانظر بعين بصيرتك إلى هذه الصورة التي أوضحها هذا المثل للمشرك والمؤمن، والمثل منتزع من البيئة التي نزل فيها القرآن؛ حيث كان الرق شائعًا في أنحاء الأرض، إلى أن أشرق الإسلام على دنيا الناس، فاتخذ من الوسائل ما أدَّى إلى إغلاق هذا الباب، والقضاء على الرق، ليبقى الناس جميعًا أحرارًا، وكان هناك من يكون له عبد خالص لخدمته، يقوم بأمر سيده، وسيده قائم بأمره، وهناك من يشتري مع غيره عبدًا ليخدمهم جميعًا، وهذا العبد يبذل قصارى جهده في خدمة سادته، ولكنه لا يستطيع إرضاءهم جميعًا، وإذا أراد طعامًا أو شرابًا أو شيئًا، لا يدري من المسئول عنه في هؤلاء السادة.
وقد ضرب الله الأوّل مثلًا للعابد للإله الواحد الأحد، فوجهته واحدة، يطلب منها ما يطلب من خيري الدنيا والآخرة، فهو لذلك مطمئن سعيد {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28) كما ضرب الثاني مثلًا للمشرك، يعبد عدة آلهة، فيجتهد في عبادتها، ولكنه لا يرضي أحدًا من هؤلاء الآلهة، كما أنه لا يدري ممن يطلب حاجته، بل إن هذه المعبودات
لا تدري عن عابديها شيئًا، إنها أحجار صماء، صنعها هؤلاء الجاهلون بأيديهم، ثم نصبوها وعبدوها.
وهذا مثل آخر لِمَا عليه الكفار من عمى وجهل، يذكره الله تعالى بعدما ذكر حال المشركين في رفضهم لدعوة الحق، لا لشيء إلّا اتباع ما كان عليه آباؤهم، يقول ربنا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170) وكما قال في آبائهم بأنهم لا يعقلون شيئًا، أيّ شيء نافع، ولا يهتدون لطرق السداد والرشاد، قال فيهم: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (البقرة: 171) .