والمثل ينقلك إلى صورة واقعية في مجتمع تقوم فيه الحياة على الرعي، فترى أن القطيع من الأنعام إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، يسوقه راعيه بعصاه، ومن في القطيع من هذه الأنعام لا يفهم لغة، إنما يسمع صوتًا يناديه بالسير أو التوقف أو الورود لموضع المياه أو الكلأ، ولكن هذه الأنعام لا تفهم ولا تعقل، والقرآن يأخذ هذه الصورة التي يشاهدها العربي في بيئته، ويراها الناس في كل زمان ومكان، ليشبه بها هؤلاء المشركين في انقيادهم لقادة الكفر والضلال، وأنّ هؤلاء المشركين ينصرفون بتوجيهات هؤلاء القادة دون عقل أو تدبر، انصراف الأنعام السائمة في حركاتها دون فهم أو وعي.
وقد روي عن ابن عباس أن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (البقرة: 170) الآية."نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فقالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} (البقرة: 170) ثم ضرب لهم مثلًا لما هم فيه من الغي والضلال والجهل، بالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نَعَق"
بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
وفي عدم فهم ووعي اليهود نجد عدة أمثلة، منها ما يدل على قسوة قلوبهم وعدم انصياعها للحق، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (البقرة: 74) .