وفي بيان أثر الشرك في المشركين، يضرب الله هذا المثل فيقول: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج: 31) فتأمّل معي روعة هذا المثل، وهذه اللوحة الرائعة التي رسمتها كلماته، وأنت تتصور رجلًا كان قد ارتفع إلى أجواز الفضاء، فخانته قواه، فسقط من هذا الارتفاع الشاهق، فتلقفته طيور السماء الجارحة، فتوزّعته إربًا، أو واجهته وهو يهوي إلى الأرض ريح عاصفة، فهوت به وألقته في مكان بعيد بعيد، ولو عُدت للمثل لترى هذه الصورة المنتزعة للمثَّل والممثَّل به لتشكل هذه اللوحة، فستجد أن السماء التي ارتفع إليها هي سماء الإيمان، في سموه ورفعته، وأن الشرك بالله هو الوهن والداء الذي أضعف قوى هذا الرجل، فخارت قواه، فلم يلبث أن سقط من سمائه، والتعبير بقوله: {خَرَّ} يدلك على سرعة وقوة سقوط هذا المشرك، والطير الذي تخطفه هي الشياطين التي توزعته ومزقته، فلم
يهدأ له بال، ولم يطمئن إليه قلب، ولم يقر له قرار، والريح التي ألقت به في مكان سحيق هواه الذي سيطر عليه فعصف به، فأبعده عن الحق وضيائه إلى الكفر وظلمته.
وهذا مثال آخر لما في الشرك من ضياع وخسران، يقول تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 29) وهذه الآية تأتي بعد قوله سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الزمر: 27، 28) .