(لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
وقد بَانَ ذلك في أمر بني النضِير الذين عاقدهم المنافقون لأنهم أخرجوا
من ديارهم وأموالهم فلم يخرج معهم المنافقون، وقُوتلُوا فلم ينصروهم.
فأظهر الله عزَّ وجلَّ كَذِبَهُمْ.
فإن قال قائل: ما وجه قوله: (وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ)
ثم قال: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) .
قال أهل اللغة في هذا قولين: قالوا معناه أنهم لو تَعَاطَوْا نَصْرَهُمْ، أي
ولئن نَصَرهُم مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ.
وقوله: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)
وقرئت (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) - على الوَاحِد - وقُرئت بتسكين الدال.
فمن قرأ (جُدُرٍ) فهو جمع جدار وجُدُرٍ مثل حمار وَحُمُرٍ.
ومن قرأ بتسكين الدال حذف الضمة لِثِقَلِهَا كما قالوا صُحْفٌ وَصُحُفٌ. ومن قرأ (جِدَارٍ) فهو الوَاحِد.
فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنهم إذا اجتمعوا على قتالِكم لما قذف اللَّه في قلوبهم مِنَ
الرُعبِ لا يبرزون لحربكم إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجُدْرانِ.
وقوله: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) .
أي مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بِنيات مُجْتَمِعَة لأن اللَّه -
-عزَّ وجلَّ - ناصر حزبه وخاذِل أعدائِه.
وقوله: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(15)
مثل ما نال أهل بَدْرٍ.