يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ أي: بخبر فَتَبَيَّنُوا أي: فتوثقوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه، قال النسفي: (وفي الآية دلالة على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة) وقال ابن كثير:(يأمر الله تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم
بقوله قد اقتفى وراءه وقد نهى الله عزّ وجل عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر،
وقبلها آخرون؛ لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال)قال الألوسي: (والظاهر أن المراد به هنا المسلم المخل بشيء من أحكام الشرع أو المروءة بناء على مقابلته بالعدل، وقد اعتبر في العدالة عدم الإخلال بالمروءة، والمشهور الاقتصار في تعريفه على الإخلال بشيء من أحكام الشرع فلا تغفل) ثم بين تعالى الحكمة في الأمر بالتثبت في خبر الفاسق فقال: أَنْ تُصِيبُوا أي: لئلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ يعني: جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة فَتُصْبِحُوا أي:
فتصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ قال النسفي: الندم: ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ قال ابن كثير: (أي اعلموا أنّ بين أظهركم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعظّموه ووقّروه وتأدّبوا معه وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم) ثم بين تعالى أن رأيهم في كثير من الأمور ليس لصالحهم فقال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ أي: حبّبه إلى نفوسكم وحسّنه في قلوبكم وَكَرَّهَ أي: