ذلك بأن العرب لم يفرقوا في نشاطهم الحضاري بين المسلمين وغير المسلمين ، بل سمحوا للنصارى واليهود بالتتلمذ عليهم والاستفادة منهم ، فأقبل الأوروبيون في الأندلس وصقلية ، والآسيويون في الشام وغيرها ، على دراسة المعارف الإسلامية وترجمتها ، ممتا ساعد على نهضة أوروبا في العصور الوسطى.
نظرة إلى التاريخ:
أصبح الإسلام قوياً بتضامن المسلمين ، ووقف العالم بأسره أمام الفتوحات الإسلامية وكأنه أمام لغز ، وعمل الكثير من العلماء والمؤرخين لفك طلسم هذا اللغز.
فالعرب الذين غزوا العالم الروماني في القرن السابع وأوائل القرن الثامن كانوا أقل عدداً من الجرمان الذين تدفقوا على الإمبراطورية الرومانية من قبل ، ومع ذلك أذابت الحضارة الرومانية والعقيدة المسيحية تلك الشعوب الغازية في ذاتها فتلاشت نهائياً ، في حين كان الانتصار الساحق في الجهات التي انتزعها العرب واستقروا فيها - مثل الشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس - سبيلاً إلى انتشار القرآن بنوره ، والإسلام بتسامحه ، فانتصر الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً ، وما لبث تلك الشعوب التي دانت
للإسلام أن ذابت في دين الله وصارت مع الفاتحين بنعمته إخواناً مسلمين متحابين.
وهذه الظاهرة البارزة العظمى ليس لها سوى تفسير تاريخي واحد ، هو أن الجرمان لم يكن لديهم من الطاقات النورانية أو الحضارية ما يواجهون به القوة الرومانية والكنيسة الكاثوليكية وسطوتها الروحية والدنيوية ، فلم يلبثوا أن استوعبتهم الإمبراطورية الرومانية بحضارتها ، والكنيسة بعقيدتها فذاب الغزاة في المجتمع الذي غزوه.
أما العرب فقد تقدموا وظهروا مزودين بعقيدة جديدة ، وديانة سماوية أدت إلى تماسكهم ، وحالت دون ذوبانهم في المجتمع الجديد ، عالمين بقوله تعالى:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...}
وقوله تعالى: