الوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفاً من الله ، وهيبة وإجلالاً ، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {وَهُوَ العلي العظيم} [الشورى: 4] لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال ، حتى كادت تتفطر.
وعلى هذا الوجه فقوله بعده: {والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض} [الشورى: 5] مناسبته لما قبله واضحة.
لأن المعنى: أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له ، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ، مع إثباتهم له كل كمال وجلال ، خوفاً منه وهيبة وإجلالاً ، كما قال تعالى {وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13] وقال تعالى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 4950] .
فهم لشدة خوفهم من الله ، وإجلالهم له يسبحون بحمد ربهم ، ويخافون على أهل الأرض ، ولذا يستغفرون لهم خوفاً عليهم من سخط الله ، وعقابه ، ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض} [الأحزاب: 72] إلى قوله: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] لأن الإشفاق الخوف.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض} يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله ، كما أوضحه تعالى بقوله: {الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} [غافر: 7] .
فقوله: {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} يوضح المراد من قوله: {لِمَن فِي الأرض} [الشورى: 5] .