ويستشهد له بالكلمات الخمسة المعطوفة على بعضها البعض في قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) [الأعراف:133] - وفيها يقول: «وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصنا منه في بحرٍ عميقٍ لا قرارَ له، من ذلك هذه الآية المشار إليها فإنها قد تَضمّنت خمسةَ ألفاظٍ هي: (الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم) ، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي: الطوفان والجراد والدّم، فلمّا وردت هذه الألفاظ الخمسة بِجُملَتها قُدّمَ منها لفظة الطوفان والجراد، وأُخِّرتْ لفظة الدَّم آخراً، وجُعلت لفظةُ القُمّل والضفادع في الوسط، ليطرقَ السمعَ أولاً الحسَنُ من الألفاظ الخمسة وينتهي إليه آخراً، ثم إنّ لفظة الدم أحسَن من لفظتَي الطوفان والجراد، وأخَفّ في الاستعمال، ومن أجل ذلك جِيءَ بِها آخراً - ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية» ( [68] ) -
ويأتي الرافعي فيضع النقاط على الحروف مفسِّراً سِرَّ ذلك التقديم والتأخير فيقول: «وما يَشذُّ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز، حتى أنك لو تدبّرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة، وهي بالطبع مظنَّة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز، فإنك ترَى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وَجِهات سردها، ومن تقديم اسم على غيره أو تأخيره عنه، لنظم حروفه ومكانه من النطق في الجملة، أو لنكتةٍ أخرَى من نُكَت المعاني التي وردت فيها الآية، بحيث يُوجد شيئاً فيما ليس فيه شيء -