مقدمة:
كان ولا يزال القرآن الكريم يُمثل منطلقاً وهدفاً أساسياً لمباحث علمَي الدلالة والصَّوت، يستلهمانه ويستمدّان منه مادّة بحثهما، بُغيةَ الوقوف على أسرار معانيه، وذلك منذ باكورة نشأتِهما، وحتى اكتمالهما عِلمين شاخصين، لكلٍّ قواعده وأصوله -
ومن نافلة القول الحديث عن أهمية كلٍّ منهما، ومدى ارتباط أحدهما بالآخر - فإذا كانت مادّة الدلالة اللِّسانية هي الصّوت اللغوي، فإنّ الصّوت اللغوي ينطلق أساساً من دلالته على المعاني التي انتُدب لبيانها والتعبير عنها وتصويرها - فالدلالة اللغوية منطلَق صوتيّ، والصّوت اللغوي منطلَق دلاليّ -
وبِما أنّ دراستنا هذه تتناول الصوت في القرآن الكريم، فإنّ أصغر وحدة صوتية فيه يمكنها أن تمثل مادّة بحثية لها قيمتها الدلالية - فكلّ صوت في هذا الكتاب الحكيم وُضِع موضعه الذي لا يَصلح غيره ليحلَّ محلّه، فإذا وُقِفَ على سرِّه انكشف بعضٌ مِمّا فيه، وخَفِي ما هو أعظم، فإنه"لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) [الكهف:109] ، وإذا لم يُوقَف عليه فإنّ لسان الحال يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24] -"