ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل ، ادخل الجار فقال: {من قبلك} أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام ، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء ، وأخذ على كل منهم العهد باتباعك ، وأن يكون من أنصارك وأشياعك.
ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه ، أتى بفاعل {يوحي} في قراءة العامة فقال: {الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال..
وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه.
ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال: {العزيز} أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم} الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله ، فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه ، ولا نقص ما أحكمه.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين ، وأعقبت بسورة السجدة بياناً أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحاً لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه ، ومع ذلك فلم يجد على من قضى عليه تعالى بالكفر ، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم الأزلية {فريق في الجنة وفريق في السعير} {وما أنت عليهم بوكيل} {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة} {ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم} {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} {وما أنتم بمعجزين في الأرض} {ومن يضلل الله فما له من سبيل} {إن عليك إلا البلاغ} {نهدي به من نشاء من عبادنا} فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر ، ومحكم ما استجره ، وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها ، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها.