والجواب: لمن سأل عن هذا الباب أن يقال له إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم فليست حالهم حالة واحدة ولا موقفهم ولا مقامهم واحدا ولكن لهم مواقف وأحوال واختلفت الأخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: الأولى: حال البعث من القبور. والثانية: حال السوق إلى مواضع الحساب. والثالثة: حال المحاسبة. والرابعة: حال السوق إلى دار الجزاء. والخامسة: حال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها.
فأما حال البعث من القبور: فإن الكفار يكونون كاملي الحواس والجوارح لقول الله تعالى: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 45] ، وقوله: يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا
واالحالة الثانية: حال السوق إلى موضع الحساب وهم أيضًا في هذه الحال بحواس تامة لقوله - عز وجل: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) } [الصافات: 22 - 24] ، ومعنى {فَاهْدُوهُمْ} أي: دلوهم، ولا دلالة لأعمى أصم ولا سؤال لأبكم فثبت بهذا أنهم يكونون بأبصار وأسماع وألسنة ناطقة.
والحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة وهم يكونون فيها أيضًا كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم ويقرأوا كتبهم الناطقة بأعمالهم وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم فيسمعونها وقد أخبر الله تعالى أنهم يقولون: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49] ، وأنهم يقولون لجلودهم: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21] ، وليشاهدوا أحوال القيامة، وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها وتصرف الأحوال بالناس فيها.