قَالَ: وَالنَّصَبُ إِذَا فُتِحَتْ وَحُرِّكَتْ حُرُوفُهَا كَانَتْ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَالنَّصَبُ إِذَا فُتِحَ أَوَّلَهُ وَسُكِّنَ ثَانِيهِ: وَاحِدُ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَكُلُّ مَا نُصِبَ عِلْمًا، وَكَأَنَّ مَعْنَى النَّصَبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْعِلَّةُ الَّتِي نَالَتْهُ فِي جَسَدِهِ وَالْعَنَاءُ الَّذِي لَاقَى فِيهِ، وَالْعَذَابُ فِي ذِهَابِ مَالِهِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ الضَّمُ فِي النُّونِ وَالسُّكُونُ فِي الصَادِ.
عَنْ قَتَادَةَ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} حَتَّى بَلَغَ: {بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} "ذَهَابُ الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَالضُّرُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي جَسَدِهِ، قَالَ: ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا مُلْقًى عَلَى كُنَاسَةٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ تَخْتَلِفُ الدَّوَابُّ فِي جَسَدِهِ [1] ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَظَّمَ لَهُ الْأَجْرَ، وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ"
وَقَوْلُهُ: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِذْ نَادَى رَبَّهُ مُسْتَغِيثًا بِهِ، أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِي، وَعَذَابٍ بِذِهَابِ مَالِي وَوَلَدِي، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَقُلْنَا لَهُ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ الْأَرْضَ: أَيْ حَرِّكْهَا وَادْفَعْهَا بِرِجْلِكَ، وَالرَّكْضُ: حَرَكَةُ الرِّجْلِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَكَضَتِ الدَابَّةُ، وَلَا تَرْكُضْ ثَوْبَكَ بِرِجْلِكَ
وَقِيلَ: إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي أُمِرَ أَيُّوبُ أَنْ يَرْكُضَهَا بِرِجْلِهِ: الْجَابِيَةُ.
وَقَوْلُهُ: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ذُكِرَ أَنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ حِينَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ عَيْنَانِ، فَشَرِبَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، وَاغْتَسَلَ مِنَ الْأُخْرَى
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: «فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنٌ، فَدَخَلَ فِيهَا وَاغْتَسَلَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ مَا كَانَ مِنَ الْبَلَاءِ»
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: {مُغْتَسَلٌ} مَا يُغْتَسَلُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: هَذَا مُغْتَسَلٌ، وَغَسُولٌ لِلَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ
وَقَوْلُهُ: {وَشَرَابٌ}
يَعْنِي: وَيُشْرَبُ مِنْهُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ يُسَمَّى مُغْتَسَلًا.
[1] تقدم رد هذه الأباطيل وتلك الأساطير.