ولما كان هنا في سياق التصبير عظم الأمر بإسناد الضر إلى أعدى الأعداء إلهاباً إلى الإجابة وأدباً مع الله فقال: {مسّني} أي وأنا من أوليائك {الشيطان} أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة بتسليطك له {بنصب} أي ضر ومشقة وهم داء ووجع وبلاء يثقل صاحبه فيتبعه ويعيده ويكده ويجهده ويصل به إلى الغاية من كل ذلك ، وقرئ بضم الصاد أيضاً وقرئ بالتحريك كالرُشد والرَشد ، وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في الشدة والخفة فالمسكن أدناه ، والمحرك أوسطه ، والمثقل بالضم أعلاه {وعذاب} أي نكد قوي جداً دائم مانع من كل ما يلذ ، ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله ، ونكره تنكير لتعظيم استغنائه على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاماً بأن السيل قد بلغ الزبى ، وأوهن البلاء القوي ، ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى اليأس وانقطاع الرجاء دلالة على أنه هو راج فضل الله غير آيس من روحه ، وذلك أن الله تعالى سلطه على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه إلى أن سقط لحمه واستمر على ذلك مدداً طوالاً ، فلذلك ثم تراءى لزوجته - رضي الله عنه - ا في زي طبيب وقال لها: أنا أداويه ولا أريد أن يقول لي ، إذا عوفي أنت شفيتني ، وقيل: قال لها: لو سجد لي سجدة واحدة شفيته ، فأتته وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه الشيطان ، وحذرها منه وخاف غائلته عليها ، فدعا الله بما تقدم وشدد النكير والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ليضربنها مائة ضربة ، ردعاً لها عن الإصغاء إلى شيء من ذلك ، وتهويناً لما يلقاه من بلائه في جنبه.