{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] {فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً} [فاطر: 1] ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله تعالى فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق. {ووهبنا لداود} الروح {سليمان} اقلب {إذ عرض عليه بالعشي} وهو بعد زوال شمس التجلي {الصافنات الجياد} وهي مركب الصفات البشرية. وفي قوله {فطفق مسحاً} إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف"لا إله إلا الله"وإليه الإشارة بقوله ثانياً {ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه} صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة. فإن قيل: قوله {لا ينبغي لأحد من بعدي} هل يتناول نبينا صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي صلى الله عليه وسلم من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان"ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته"وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول:"الفقر فخري"على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال"وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها". انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 598 - 599}