والرابع: وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ ذَكَرُوا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَنَّى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ فِي الدِّينِ كَمَا حَصَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِلْخَلِيلِ مِنَ الْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ وَحَصَلَ لِلذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ وَحَصَلَ لِيَعْقُوبَ مِنَ الشَّدَائِدِ الْمُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَجَدُوا تِلْكَ الدَّرَجَاتِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا ابْتُلُوا صَبَرُوا فَعِنْدَ ذَلِكَ سَأَلَ دَاوُودُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثُمَّ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، فَنَقُولُ أَوَّلُ حِكَايَتِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْتَلِيهِ بِالْبَلَاءِ الَّذِي يَزِيدُ فِي مَنْقَبَتِهِ وَيُكْمِلُ مَرَاتِبَ إِخْلَاصِهِ فَالسَّعْيُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالْإِفْرَاطُ فِي الْعِشْقِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَثْبُتُ أَنَّ الحكاية التي ذكروها يناقض أولها آخرها.
الخامس: أَنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) اسْتَثْنَى الَّذِينَ آمَنُوا عَنِ الْبَغْيِ، فَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْبَغْيِ لَزِمَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ حَكَمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ عَلَى نفسه وذلك باطل.