وقد روى أنه لم يكن جسيماً كسائر الأنبياء بل قصير القامة ، وأكثر القوى البدنية كان فيمن زاده الله بسطة في جسمه.
"وفي التأويلات النجمية": تشير الآية إلى كماليته في العبودية بأنه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة ، وإنما كان عبدنا خالصاً ومخلصاً وله قوة في العبودية ظاهراً وباطناً.
فأما قوته ظاهراً فبأنه قتل جالوت ، وكثيراً من جنوده بثلاثة أحجار رماها عليهم وأما قوته في الباطن فلأنه كان أواباً وقد سرت أوابيته في الجبال والطير ، فكانت تؤوب معه انتهى.
ومن قوة عبادة داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وذلك أشد الصوم ، وكان ينام النصف الأول من الليل ويقوم النصف الأخير منه مع سياسة الملك.
وفي بعض التفاسير كان ينام النصف الأول من الليل ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وهو الموافق لما في المشارق من قوله عليه السلام:"أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وأحب الصلاة إلى الله"؛ أي: في النوافل:"صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه"، وإنما صار هذا النوع أحب ؛ لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخف وأنشط في العبادة.
{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ} : بيان لفضله مع داود ؛ أي: ذللناها ومع متعلق بالتسخير وإيثارها على اللام لكون تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها إليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان سيرها معه بطريق تفويض التبعية له ، فتكون مع على حالها ، ويجوز أن تكون مع متعلقة بما بعدها.
وهو قوله: {يُسَبِّحْنَ} ؛ أي: حال كونها تقدس الله تعالى مع داود لم يقل مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال.
قال في"كشف الأسرار": كان داود يسمع ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به كرامة له ومعجزة.
انتهى.
واختلفوا في كيفية التسبيح ، فقيل: بصوت يتمثل له وهو بعيد.
وقيل: بلسان الحال ، وهو أبعد.