طه 71 ولم يقُلْ على جذوع النخل لأن في أدَّتْ معنى الاستعلاء والظرفية معاً. كذلك في {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ..} سبأ 2 ولم يقًلْ وما يعرج إليها لأن إلى لا تؤدي المعنى المطلوب، فـ إلى تدل على الغاية، كما تقول سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية. والسماء ليست هي غاية صعود الكَلِم الطيب، إنما غايته ومنتهاه إلى الله عز وجل، وما السماء إلا طريق يُوصل إلى المنتهى الأعلى، وسبق أنْ قُلْنا إن السماء هي كل مَا علاك. وهذا المعنى لحرف الجر واضح كذلك في قوله تعالى
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..}
آل عمران 133 فاستخدم إلى لأن المغفرة هي غاية ما يَسْعى إليه المؤمن ويسارع. وقال
{أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ..}
المؤمنون 61. ولم يقل إلى الخيرات لأن الخيرات ليست هي الغاية، إنما هي مراتب يترقَّى فيها المؤمن ويتعالى، كلما وصل إلى خير تطلَّع إلى أَخْيَر منه، فكأن الخيرات ظرف يسير فيه لا إليه. كذلك لما تكلَّم الحق سبحانه عن الذين كذَّبوا الرسل، قال
{فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ..}
إبراهيم 9. البعض يقول أي إلى أفواههم، لا لأن في تحمل معنى المبالغة في رَدِّ المنهج الذي جاء به الرسل، فالمعنى أن الرسل حينما جاءوا بالمنهج لم يقبله المكذِّبون وقالوا لهم وفروا عليكم كلامكم، يعني لن يُجدي معنا شيئاً، وجعلوا أيديهم داخل الأفواه، وعَضُّوا عليها من الغيظ مما سمعوا من الرسل، وهذا المعنى لا تؤديه لفظة إلى أفواههم. ثم هو سبحانه {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} سبأ 2 صفة الرحيم أي الذي يمنع وقوع الضُّرِّ بِدايةً، كما قال سبحانه
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..}
الإسراء 82. كلمة {شِفَآءٌ ..} الإسراء 82 تعني أنه أصابك مرض نشأ من الغفلة، فجاء القرآن ليُذكِّرك ويُنبِّهك ويشفي نفسك من هذه الغفلة، فإنْ لم توجد الغفلة كان القرآن رحمة تمنع حدوث الداء من البداية. ورحيم صيغة مبالغة من الرحمة. كذلك {الْغَفُورُ} سبأ 2 صيغة مبالغة من المغفرة، والحق سبحانه كثيراً ما يؤكد على هذه الصفة لأنه سبحانه خلق الإنسان، ويعلم أنه لن يسير دائماً على الصراط المستقيم، ولا بُدَّ أن ينحرف يوماً ما عن المنهج القويم لذلك قال
{يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ..}