ثم بيّن سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب ، ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال: {وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ} الإشارة بقوله: {هذا} إلى ما رأوه من الجيوش ، أو إلى الخطب الذي نزل والبلاء الذي دهم ، وهذا القول منهم قالوه استبشاراً بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه الجنود ، وإنه يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله ، و"ما"في: {ما وعدنا الله} هي الموصولة ، أو المصدرية ، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم: {وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ} أي ظهر صدق خبر الله ورسوله {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً} أي ما زادهم ما رأوه إلا إيماناً بالله وتسليماً لأمره.
قال الفراء: ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيماناً وتسليماً.
قال عليّ بن سليمان: {رأى} يدل على الرؤية وتأنيث الرؤية غير حقيقي ، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيماناً للرب وتسليماً للقضاء ، ولو قال: ما زادتهم لجاز.
{مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ} أي من المؤمنين المخلصين رجال صدقوا أتوا بالصدق ، من صدقني إذا قال الصدق ، ومحل {ما عاهدوا الله عليه} النصب بنزع الخافض ، والمعنى: أنهم وفوا بما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات معه ، والمقاتلة لمن قاتله ، بخلاف من كذب في عهده ، وخان الله ورسوله وهم المنافقون.
وقيل: هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا له ولم يفروا ، ووجه إظهار الاسم الشريف ، والرسول في قوله: {صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ} بعد قوله: {مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ} هو قصد التعظيم كما في قول الشاعر:
أرى الموت لا يسبق الموت شيء... وأيضاً لو أضمرهما ، لجمع بين ضمير الله وضمير رسوله في لفظ واحد.